مدونة خاصة بالتقنيات والتصاميم والدروس العامة للكاتب علاء حسين الربيعي ( علاء العراقي الجريح )

اخر الاخبار

الأربعاء، 15 أبريل 2020

كم مرة غزا المغول بغداد



السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


كم مرة غزا المغول بغداد

بعد أن قتل السلطان محمد خوارزم شاه للأربع مئة وخمسين تاجراً مسلماً الذين قدموا من بلاد جنكيزخان أدَّى إلى أن يفكر المغول لأول مرة في تأريخهم بغزو المدن الإسلامية، ومن ثَمَّ إلى غزو العالم الإسلامي برمَّته.

وكان فرار محمد خوارزم شاه أمام المغول سبباً لأن يلاحقه هؤلاء، فحيثما لجأ إلى أية قرية أو مدينة كان المغول يجتاحونها فيهرب السلطان تاركاً المدينة لأيدي المغول فيقتلون وينهبون ويسبون النساء والأطفال ويرتكبون أبشع الجرائم، وحين يصل إلى المدينة التالية يأتون خلفه ليمارسوا جرائمهم، وخلال ذلك كانوا يهاجمون المدن والقرى الأخرى التي يمرون بها مجتازين وهم في طريقهم نحو طريدتهم السلطان محمد خوارزم شاه. وهكذا كان تحركُ السلطانِ الجشعُ البوصلةَ المشؤومةَ التي تهدي الجيشَ المغوليَّ الراكض وراءه إلى المدينة أو القرية القادمة التي سيجتاحها. أخيراً مات محمد خوارزم شاه شريداً حزيناً فقيراً وقد سلب المغول خزائنه التي كانت معه خلال فراره ــ بما فيها أموال التجار المسلمين المسالمين الذين قتلهم ظلماً وعدواناً ــ كما سلبوه زوجاته وبناته، وأسروا جميع المغنيات والراقصات اللواتي كان يأخذهن معه حيثما توجَّه وفي أشد المعارك(2). ثم تسلم قيادة من بقي من الجيش الخوارزمي نجلُه جلال الدين منكبرني فقام بنفس الدور الذي قام به أبوه من قبل، فكان المغول يطاردونه أيضاً وهو يفر أمامهم ويقاتلهم أحياناً وقد انتصر عليهم في بعض المعارك، لكنهم واصلوا مطاردته عبر الأراضي الإيرانية وأرمينيا، ثم قرب المدن والقرى العراقية في شمالي العراق نزولاً إلى القرى المجاورة لبغداد نفسها، حيث أُصيبت هذه المدن والقرى بما كانت تصاب به مثيلاتها فيما وراء النهر وإيران من قتل سكانها وسبي الباقين منهم وتدميرها. وقد أضيف عامل جديد إلى تدمير هذه القرى وانتهاك حرمات أهلها وقتلهم، ذلكم هو ما كان يقوم به الجيش الخوارزمي بقيادة جلال الدين منكبرني نفسه، وهكذا وقع سكان هذه المناطق فريسة بين فكي كماشة أطبق بها المغول الوثنيون عليهم من جانب والخوارزميون المسلمون من جانب آخر فذهبوا ضحايا لسيوف الاثنين.

ومن أخطر نتائج مطاردة المغول لجلال الدين منكبرني الذي اختفى من مسرح الوقائع سنة 628هـ، أنهم بجيشهم الصغير هذا الذي ظل يجول في هذه المناطق، شكَّلوا طلائع ونواة الجيوش المغولية الهائلة الأعداد التي ستأتي فيما بعد، وطوال سنواتٍ كانت معرفتهم تتراكم بحكَّام هذه المناطق الذين تمكنوا من التحالف مع بعضهم وكانوا لهم عوناً في بعض معاركهم، كما ازدادت خبرتهم بجغرافية المناطق التي طاردوا فيها جلال الدين وتعرّفوا إلى سكانها ومسالكها مما سهَّل الأمور على كتائب المغول الذين سيغزون المنطقة بعد 28 عاماً ليقتلوا آخر الخلفاء العباسيين ويحتلُّوا عاصمة الخلافة الإسلامية.

يقول ابن نظيف الحموي المؤرخ الذي عاصر وقائع تلك الفترة عن واحدة من غزوات جلال الدين منكبرني ضمن حوادث سنة 622هـ: ((وفيها قوي جلال الدين بن السلطان خوارزم شاه بن محمد خوارزم شاه ودخل العراق ونَهَبَ وقَتَلَ وسَبَى، وكان قد شارف بغدادَ أقام على قرب بغداد ثمانية عشر يوماً. وكان الخليفة الناصر لما علم بوصوله سيَّر الفُدُنَ(3) إلى الأرض التي تحقق وصوله منها فحرثها وقلبها بحيث لا يبقى لدوابهم ما تأكله فهذا كان سبب عوده عن قصد بغداد. ووصل إلى دقوقا فأخذها وخربها وقتل جميع أهلها وانتقل إلى البوازيج(4) أخذ أموالهم وأطلقهم، وأخذ خمسة عشر ألف فدان وسيرها بفلاّحيها إلى بلاده؛ ووصل إلى الزاب فخاف صاحب إربل (أربيل الحالية) فهاداه وحمل إليه وكاتبه وحلف له فعاد عنها ونزل بمروج شهر زور وتوجه إليه عماد الدين زنكي بن أتابك وقدم ووعده بالموصل وعاد من عنده))(5).

السلطان الهارب من المغول جلال الدين منكبرني يغزو ــ خلال هروبه ــ القرى والمدن الإسلامية حتى يصل قريباً من بغداد فيقتل الرجال والشباب ويسبي النساء والفتيات وينهب الأموال، وبغية منعه من الوصول إلى بغداد يقوم الخليفة الناصر بتطبيق سياسة الأرض المحروقة لكي يمنع السلطان جلال الدين من المرور بها أو الإقامة فيها، ولا ندري إن كان قد عوَّضَ فلاّحيها عما ألحقه بأراضيهم ومحاصيلهم من أضرار فقد كان منشغلاً باللعب بالطيور ورمي البندق والسباقات الرياضية، حيث يقول ابن الأثير: ((جعل جُلَّ همِّه في رمي البندق والطيور المناسيب وسراويلات الفتوة فبطل الفتوة في البلاد جميعها إلاّ من يلبس منه سراويل يدَّعي إليه، ولبس كثير من الملوك منه سراويلات الفتوة؛ وكذلك أيضاً منع الطيورَ المناسيب لغيره إلاّ ما يؤخذ من طيوره، ومنع الرمي بالبندق إلاّ من ينتمي إليه))(6).

ونواصل النقل من ابن الأثير لمعرفة الفوضى العارمة التي خلقها الجيش الخوارزمي في العراق بأسره من شماله حتى البصرة وفي بعض الأقاليم المجاورة مثل خوزستان، وكيف اغتنمت هذه الفرصةَ مجاميع من الخارجين على القانون من داخل العراق ليمارسوا القتلَ والسلب وقطع الطرق، حيث يقول: ((وتفرَّق الخوارزمية ينهبون حتى وصلوا إلى بادرايا وباكسايا(7) وغيرهما وانحدر بعضهم إلى ناحية البصرة فنهبوا هنالك فسار إليهم شحنة البصرة وهو الأمير ملتكين فأوقع بهم وقتل منهم جماعة فدام الحصار نحو شهرين؛ ثم رحل عنها بغتة وكانت عساكر الخليفة مع مملوكه جمال الدين قشتمر بالقرب منه، فلما رحل جلال الدين لم يقدر العسكر على منعه فسار إلى أن وصل إلى بعقوبا ــ وهي قرية مشهورة بطريق خراسان بينها وبين بغداد نحو سبعة فراسخ ــ فلما وصل الخبر إلى بغداد تجهزوا للحصار وأصلحوا السلاح من الجروخ(Cool والقِسِيِّ والنشَّاب والنفط وغير ذلك وعاد عسكر الخليفة إلى بغداد.

وأما عسكر جلال الدين فنهب البلادَ وأهلَها وكان قد وصل هو وعسكره إلى خوزستان في ضرٍّ شديدٍ وجهدٍ جهيدٍ وقلَّة من الدوابِّ والذي معهم فهو من الضعف إلى حد لا ينتفع به فغنموا من البلاد جميعها واستغنوا وأكثروا من اخذ الخيل والبغال فإنهم كانوا في غاية الحاجة إليها.

وسار من بعقوبا إلى دقوقا (داقوق الحالية) فحصرها فصعد أهلها إلى السور وقاتلوه وسبُّوه وأكثروا من التكبير، فعظم ذلك عنده وشقَّ عليه وجدَّ في قتالهم ففتحها عنوة وقهراً ونهبتها عساكره وقتلوا كثيراً من أهلها، فهرب من سلم منهم من القتل وتفرقوا في البلاد إلى أواخر ربيع الآخر والرسل مترددة بينه وبين مظفر الدين صاحب إربل (أربيل) فاصطلحوا، فسار جلال الدين إلى أذربيجان.

وفي مدة مقام جلال الدين بخوزستان والعراق ثارت العرب في البلاد يقطعون الطريق وينهبون القرى ويخيفون السبيل فنال الخلقَ منهم أذىً شديدٌ وأخذوا في طريق العراق قَفَلين(9) عظيمين كانا سائرين إلى الموصل فلم يسلم منهم شيء البتة))(10).

أما آخر المعارك بين السلطان جلال الدين منكبرني والمغول فقد كانت فضيحة لا تُصدَّق لولا أن راويها هو مؤرِّخُ البلاط الخوارزمي ووزير جلال الدين نفسه، فحين جاءه شخص وأخبره أنه رأى في الموضع الذي كان به أمس أشخاصاً تختلف ملابسهم عن ملابس جنود السلطان وكذلك خيلهم ويعن أنهم كانوا مغولاً، تصوّر السلطان ذلك حيلة من لا يريد له أن يقيم في ذلك الموضع الذي هو فيه، ثم دعا بالخمر وشرب كمية هائلة فلم يستفق إلاّ عندما وصل المغول باب خيمته، يقول النسوي: ((وشرب تلك الليلة فسكر، فناله من سكرة خُماره دوار الرأس، وقطع الأنفاس؛ فلا صحو إلاّ إذا نُفِخَ في الصُّر، وبُعثر ما في القبور؛ وأتاه وهناً من الليل شخص تركماني وقال: إني رأيت في منزلك الذي كنتَ أمسِ نازلاً به عسكراً زيُّهم غير زيِّ عسكرك بخيلٍ أكثرها شهب. فكذَّبه وقال: هذه حيلة ممن لا يختار توسطَنا هذه البلاد؛ وقضى بنشوته ناشئة الليل إلى قريب الفجر، وأحاط تاتار (المغول) به وبعسكره مصبحين...، وكنت قد سهرت تلك الليلة للكتابة فغلبني النوم في أخرياتها، فلم أشعر إلا والغلام ينبهني ويقول: قُمْ فقد قامت القيامة))(11). ولم يتمكن السلطان عندها إلا أن يأمر أحد قادته بمشاغلتهم ثم فرَّ هو من الميدان حيث قُتِلَ أو مات.

لكن الغزو المغولي لم يتوقف عن العيث فساداً وقتلاً ونهباً في تلك المناطق عقب فرار جلال الدين الخوارزمي وإلى الأبد من ميدان المعركة، بل إن الرعب الذي أثاروه بإجرامهم مع أهالي تلك المناطق جعل الخوف يهيمن على الناس فكان العدد القليل من المغول يواجه العدد الغفير من الناس الذين تخاذل الجميع عن حمايتهم بمن فيهم الخليفة، يقول ابن نظيف الحموي: ((وأما التتر فإنهم قصدوا الجهة التي قصدها الخوارزمي ودخلوا الجزيرة ونهبوا وقتلوا وسبوا وعاثوا في البلاد وبلغت غوارتهم إلى الجبال بسنجار وقاتلوا نصيبين وجرى لهم بسعرد من القتال والقتل والغدر ما تجاوز الحد؛ وما يُعلم مقدار من قتلوه منها وما نهبوه؛ وكذلك دنيسر قتلوا أهلَها وسبوهم وأحرقوا الجامع وكان قد احتمى به جماعة فحرقوهم في الجملة، وعادوا عن حمية إلى مواضعهم وما وجدوا في الجزيرة من ردَّ ثم لهم نشاباً. وقد ذُكر أن هؤلاء الغوارة ما بلغوا ألف فارس وفعلوا في البلاد ما فعلوه وأخافوا الناسَ وارتحلوا من الجزيرة إلى الشام وجلا أهلُ رأس عين الخابور وغيرهم))(12).

لم يرسل الخليفة أحداً لإنقاذ تلك القرى والمدن من هجمات المغول، لكنه تحرك في السنة التالية عقب وفاة حاكم أربيل مظفر الدين كوكبري للاستيلاء على أربيل، فأرسل جيشاً بقيادة إقبال الشرابي، وحين امتنع اثنان من خدم كوكبري عن تسليم المدينة حاصرهم الجيش ثم ((فتحها عسكر الخليفة بعد عصيانها عنوة، وقتل خلقاً كثيراً وأحرقوا ونهبوا نهباً عظيماً؛ وبقي فيها الشرابي وقشتمر وخواص الدولة))(13).

فلنفتتح الآن الكلام على الغزوات المغولية لبغداد وما جاورها خلال السنوات التي سبقت احتلال بغداد في 656هـ:

سنة 633هـ: يقول مؤلف كتاب الحوادث ضمن وقائع هذه السنة التي نرى فيها التصرُّفَ الصائب للخليفة المستنصر في اتخاذه كافة الاحتياطات المطلوبة لمواجهة الغارة المغولية: ((وفيها وصلت الأخبار من إربل أن عساكر المغول اجتازوا بها قاصدين الموصل، فحاربهم عسكر إربل وقُتل من الفريقين وجُرح جماعة؛ ثم انفصلوا قاصدين أعمال الموصل، فعاثوا بها أشدَّ العيث وقَتَلوا وأسروا؛ فأمر الخليفةُ بتجهيز العساكر والتوجه إلى تلك الجهة واستنفار الأعراب من البوادي والرجالة من جميع الأعمال. فلما حضروا فُرِّقت عليهم الأموال والسلاح وجُعل مقدَّم العساكر الأمير قشتمر وتوجهوا، فلما وصلوا الدَّرْبَنْدَ بلغهم أن المغول قد عادوا راجعين إلى بلادهم، فرجع حينئذ قشتمر والعسكر إلى بغداد)). ويقول الذهبي: ((وفي ربيع الأول جاء فرقةٌ من التتار إلى إربل فواقعوا عسكرها، فقتل جماعةٌ من التتار وقتل من الأرابلة نفرٌ يسير، ثم إنَّ التتار ساقوا إلى الموصل ونهبوا وقتلوا فاهتمَّ المستنصر بالله وفرق الأموالَ والسلاحَ فرجع التتار ودخلوا الدربندَ وردَّ عسكرُ بغداد، وكان عليهم جمال الدين قشتمر))(14).

سنة 634هـ، وفيها جاء المغول إلى أربيل فقام الخليفة المستنصر أيضاً بكل ما كان ينبغي له أن يقوم به ولم يُنْسَ حتى تحشيد الفقهاء والصوفية والفقهاء والمدرِّسين لتدعيم عملية الجهاد ضد المغول، ويطالعنا للمرة الأولى خبر التحالف الخطير الذي سيمتدُّ طويلاً بين حاكم الموصل بدر الدين لؤلؤ الرومي الأتابكي وبين المغول، وبينما كان أهل أربيل يموتون عطشاً كان بدر الدين لؤلؤ يمدُّ المغول بكل ما يحتاجونه، ولذلك أطالوا حصارهم لأربيل، حيث كانت أرزاقهم تأتيهم رغداً من حاكم الموصل؛ يقول مؤلف كتاب الحوادث: ((في 17 شوال وصل الخبر من إربل على جناح الطائر بنزول عساكر المغول على إربل والإحاطة بها وتحصُّن أهل البلد بغلق الأبواب وصعود القلعة، فأُمِرَ الأمير شمس الدين أصلان تكين الناصري بالتوجه إلى هناك جريدةً(15)، ونفذ صحبتَه ابنُ كر الإربلي، ثم خرج شرف الدين (إقبال) الشرابي ومعه جماعة من الأمراء والمماليك وتوجَّه أيضاً نحوهم. وأحضر نصيرُ الدين نائب الوزارة المدرسين والفقهاء واستفتاهم: إذا اتفق الجهاد والحج، أيُّهما أَوْلى؟، فأفتوا بأن الجهاد أَوْلى. فأُبطل الحج في هذه السنة؛ وأَمَرَ الالمدرِّسين والفقهاء ومشايخ الرُّبُط الصوفية برمي النِّشَّاب والاستعداد للجهاد؛ ووُلِّيَ الأمير بدر الدين أيدمر الأشقر الناصري شحنة بغداد، ووقع الاستظهار بنصب المناجيق على سور بغداد وأُصلحَ الخندق.


وأما المغول فإنهم نزلوا على إربل وحصروها ونَصَبوا المناجيق عليها، وقصدوا جهة من السور فهدموا منه قطعة كبيرة ودخلوا البلدَ عَنْوَةً وقهراً، فتحصَّن أهلُه ومعظم العسكر بالقلعة، وقاتلوهم أشدَّ قتال؛ وأَمَدَّ المغولَ بدرُ الدين صاحبُ الموصل بما يحتاجون إليه من ميرة وآلة وغيرها، وأعْوَزَ أهل قلعة إربل الماء، فتلف منهم ألوف كثيرة بالعطش، ولم يمكن دفنهم لضيقة الموضع ولا ألقوهم لئلاّ يسدوا الخندقَ، فأحرقوا بالنار. ثم عاثوا في البلد أشد العيث نهباً وأسراً وإحراقاً وتخريباً، ثم اهتموا بالقلعة وجدُّوا في نصب المناجيق عليها، فبلغهم وصول عساكر الخلبفة، فرحلوا راجعين إلى بلادهم في 6 ذي الحجة، فورد الخبرُ إلى الشرابي بذلك، فرجع والعساكر والأمراء في خدمته إلى بغداد فدخلها في ثالث عشر المحرم سنة 635))(16).

سنة 635هـ: يقول مؤلف كتاب الحوادث: ((في صفر وصلت الأخبار إلى أهل إربل أن عساكر المغول عادوا إلى قصدهم في جمع كثير، فانتزح من كان بها وبالقلعة أيضاً، فلما رأى زعيمُها الأمير شمس الدين باتكين خلوَّ البلد، أمر بخروج العسكر المقيم هناك إلى ظاهر البلد ثم الاستعداد للحراسة، فعدلوا (يعني المغول) حينئذ عن إربل وقصدوا دقوق، وانبثوا في أعمال بغداد وعاثوا بها أشد العيث؛ فوصل الخبر إلى بغداد فخرج شرف الدين إقبال الشرابي مبرزاً إلى ظاهر البلد، وأمر خطيب جامع القصر أبا طالب ابن المهتدي بأن يحرِّض في خطبته على الجهاد، ففعل ذلك، فبكى الناسُ لما سمعوا كلامه وأجابوا بالسمع والطاعة، وقدم أهلُ السواد من دقوق وغيرها إلى بغداد معتصمين بها، وتضاعفت أجرة المساكن وانزعج الناس لذلك.

وتتابع خروج الأمراء والعساكر إلى ظاهر البلد، وركب الخليفةُ المستنصرُ بالله إلى الكشك(17) فنزل به وظهر للأمراء وأمرهم بالمشورة، فقال كل واحد منهم ما عنده، وسهَّل الأمير جمال الدين قشتمر الأمرَ في لقائهم، وعيَّن الشرابي على جماعة من الأمراء لقصدهم، فتوجهوا إلى القليعة ونزلوا بها، فبلغهم أن المغول في جمع كثير وهم بالقرب من الجبل، فساروا فلما قاربوهم تعبَّأوا ميمنة وميسرة وقلباً، فلما شاهدت عساكر المغول ذلك ولّوا راجعين، فتبعهم جماعة من العسكر فقتلوا منهم جمعاً كثيراً وأسروا منهم جماعة، وغنموا من دوابهم وأثقالهم، وأرسلوا إلى الشرابي برؤوس كثيرة، فضُرِبَت البشارة عند مخيَّمه وخُلع على الواصلين بالخبر...)).

ويواصل مؤلف كتاب الحوادث كلامه فيقول إنه في شهر رجب من نفس السنة ((وصل الخبر أن عساكر المغول قد سارت نحو بغداد))، فأمر الخليفة بخروج الجيش إلى خارج البلد استعداداً للانطلاق ومجابهة المغول، ثم استنجد ببعض الملوك القريبين منه، فأرسل الملك الأشرف حاكم بعلبك 1000 فارس، وأرسل الملك المشمر خضر بن صلاح الدين حاكم دمشق 600 فارس، فخرج إقبال الشرابي ومن معه من الجند فأصبح مجموع الجيش مع القوات القادمة 7000 فارس، وهكذا لم يتمكن الخليفة على جلالة قدره ومن استنجد بهم أن يجمع أكثر من هذا العدد المتواضع. فلما وصلوا خانقين جاء الخبر بأن عدد أفراد الجيش المغولي 15000 فارس. فبادر قائد الجيش جمال الدين بكلك في المساء لكي يفاجئ المغول وهم في حالة استراحة، وعند صباح الثالث من ذي القعدة اشتبك معهم وكان هو وجيشه في غاية التعب لعدم نومهم الليلة الماضية، وقد انكسرت ميمنة المغول وميسرتهم بينما ظل القلب يقاوم، وهنا ظهرت قطعات من المغول كانوا قد أعدُّوهم كمائن يفاجئون بها الجيش المسلم ((وأحاطوا بعسكر بغداد ــ وكانوا قد لجَّجوا وراء المنهزمين ــ فانهزمت حينئذ عساكر بغداد وقُتِلَ منهم خلقٌ كثير، فالتجأوا إلى دَحْلَة قريبة من موضع الوقعة، فهلك معظمهم جوعاً وعطشاً، وعاد من سلم منهم إلى بغداد، وقُتِلَ جمال الدين بكلك))(18). وهنا نصل إلى مقطع غامض في هذه الواقعة نجد فيه الخليفة يبعث مبعوثاً خاصاً إلى الملك المغولي يمكث لدى المغول أكثر من سنة من غير أن يذكر شيئاً عن المهمة التي كُلِّفَ بها هذا المبعوث، يقول المؤلف: ((وأما المغول فإنهم حازوا الغنائم وعادوا راجعين من خانقين وراسلوا الخليفة، فوصل رسولهم في ربيع الآخر سنة 636، فأُنفذ العدلُ جعفر بن محمد بن عباس البطائحي ناظر التَّرِكات صحبةَ الرسولِ الوارد من جرماغون(19) مقدَّمِهم، وكان عَوْدُه في سنة 637، واجتمع به بالقرب من قزوين))(20). ثم نقرأ في حوادث سنة 636هـ قول مؤلف كتاب الحوادث: ((ولم يخرج الحجاج من بغداد في هذه السنة أيضاً بمجرد الاهتمام في أمر المغول ومراسلاتهم والاستعداد لذلك))(21). ونقرأ في حوادث سنة 642هـ أي على عهد آخر الخلفاء العباسيين المستعصم بالله: ((وفيها وصل إلى بغداد رسولٌ من المغول، وأعيد ونُفِذَ معه القاضي ابن عبد الرشيد المذكور(22)، وفلك الدين بكتمر أمير آخُر(23) حاجب علاء الدين ألطبرس الدويدار الكبير))(24). ويقول الذهبي في حوادث سنة 644هـ: ((فيها قدم رسولان من التتار أحدهما من بركة، والآخر من باجو، فاجتمعا بالوزير مؤيد الدين ابن العلقمي، وتعمَّت على الناس بواطنُ الأمور))(25). ترى ما هي مضامين تلك المراسلات ولماذا يراسل هذان الخليفتان المغول ويبعثان هؤلاء المبعوثين إليهم؟، لا جواب على هذه الأسئلة.

سنة 642هـ، وهي المرة الأولى على عهد الخليفة المستعصم بالله التي تصل فيها الجيوش المغولية إلى العراق: ((في ذي الحجة وقعت بطاقة ببغداد أن التتار ــ خذلهم الله تعالى ــ دخلوا شهرزور وهرب صاحبُها فلكُ الدين محمد بن سنقر إلى بعض القلاع، وأنهم قَتَلوا وفَسَقوا وبَدَعوا))(26).

سنة 643هـ: ((في المحرَّم وصل الخبر إلى بغداد من أربل أن المغول خرجوا من همذان في ستة عشر ألفاً وقصدوا الجبل، فأمر الخليفة بالاستعداد للقائهم وتبريز العسكر إلى طاهر السُّور، فخرجوا على التؤدة والهُوَينى، فوصل الخبر أن طائفة منهم قصدوا خانقين ووقعوا على جماعة من أصحاب الأمير شهاب الدين سليمان شاه بن برجم زعيم الإيوانية، وقربوا من بعقوبا ونهبوا وقَتَلوا؛ ووصل أهلُ طريق خراسان والخالص إلى بغداد، فأُمر حينئذ باستنفار الأعراب من البوادي والرجالة من الأعمال وتفريق السلاح ورفع المناجيق على السُّور. وخرج (قائد الجيش إقبال) الشرابي إلى مخيَّمه بظاهر السُّور، فوصل إليه رسول من الأمير فلك الدين محمد بن سنقر الأسن المعروف بوجه السبع ــ وكان بالقليعة يَزَكَاً(27) ــ يخبره بوصول المغول ومحاذاتهم له، فركب في الحال وعيَّنَ على من يتوجه لمساعدة فلك الدين المذكور، ثم أخذ في تعبئة العساكر وترتيبها ميمنة وميسرة، فوصلت عساكر المغول ونزلوا بإزائهم وجرت بين الفريقين حربٌ ساعةً من نهارٍ، ثم باتوا على تعبئتهم، فلما أصبحوا لم يجدوا من عساكر المغول أحداً، وكفى الله المؤمنين القتال. ثم ورد الخبر أن طائفة منهم عبرت إلى دُجَيل فقَتَلوا ونَهَبوا، فنُفِذَ إليهم جماعةٌ من العسكر والعرب نحو 3000 فارس وقُدِّمَ عليهم الأمير قزقز الناصري، فلما عَرَفوا بعبور العسكر إليهم رجعوا))(28).

سنة 647هـ: يقول مؤلف كتاب الحوادث: ((وفيها وصل الخبر إلى بغداد أن طائفة من المغول كبسوا الإيوان خانقين وما يجاورها وقَتَلوا منهم مقتلة عظيمة ونهبوا أغناماً كثيرة وأبقاراً وغير ذلك؛ وساروا إلى رانكاوا وفعلوا مثلَ ذلك، وانتقلوا إلى البت والراذان واعتمدوا أيضاً كذلك. فجفل الناس من طريق خراسان(29) والخالص ودخلوا بغداد، فخاف الناس وانزعجوا، وتقدَّم الديوان إلى الأمراء بالخروج إلى ظاهر البلد، وتقدَّم على كافة أهل البلد برمي النشاب والاستعداد وتعليق السلاح في الأسواق والخانات في الدكاكين، والمبيت في الأسواق وإشعال الأضواء، ففعلوا ذلك بجانبي مدينة السلام، ونُفِذت الطلائع ومعهم الطيور(30) ليخبروا بصورة الحال، فعادوا وأخبروا أن المغول عادوا ودخلوا الدربند بعد أن قتلوا في دقوق (داقوق) خلقاً كثيراً وأسروا جماعة وارتكبوا الفواحش بالنساء والصبيان؛ فحينئذ دخلت العساكر واطمأن الناس))(31).

وفي حوادث سنة 650هـ يقول مؤلف كتاب الحوادث: ((فيها وصلت عساكر المغول إلى أهل الجبال وأوقعوا بالأكراد وغيرهم وقَتلوا ونَهَبوا وسَبَوا، وسارت طائفةٌ منهم إلى أن بلغوا حرَّان والرُّها فأغاروا على ما هناك ثم عادوا فصادفوا قَفَلاً(32) واصلاً من الروم نحو بغداد، فقتلوا مَن فيه ونهبوا الأموال، فكتب ابن الصلايا والي إربل إلى بغداد بذلك، فخاف أهلها خوفاً شديداً؛ وأما المغول فعادوا إلى منازلهم بأذربيجان وغيرها))(33).

وفي نفس هذه السنة الحبلى بالمخاطر التي كما يقول الذهبي: ((كثر فيها الحرامية ببغداد وصار لهم مقدَّم يقال له غيث، وتجرَّأوا على دُور الأمراء))(34)، وكان فيها سكَّان بغداد يخافون أن يهاجم المغول مدينتهم قَطَعَ الخليفة أرزاق الجنود فترك كثير منهم الخدمة، نقرأ في كتاب الحوادث: ((وفيها فارقَ كثير من الجُند بغداد لانقطاع أرزاقهم ولحقوا ببلاد الشام))(35). لكن الذهبي جعل قطع الأرزاق هذا قد حدث سنة 648هـ وصاغ الخبر بالشكل التالي: ((وفيها ثارت طائفة من الجند ببغداد ومنعوا يوم الجمعة الخطيبَ من الخطبة واستغاثوا لأجل قطع أرزاقهم، وكل ذلك من عمل الوزير ابن العلقمي الرافضي وكان حريصاً على زوال دولة بني العباس ونقْلها إلى العلويين، والرُّسُل في السِّرِّ بينه وبين التتر، والمستعصمُ بالله تائهٌ في لذَّاته لا يطَّلع على الأمور ولا له غرضٌ في المصلحة))(36). وقد مرَّ بنا أن الجنود كانوا يشكون من قلة رواتبهم حتى قبل أن يصبح ابن العلقمي وزيراً(37) وأنهم تمردوا على القيادات العسكرية سنة 640هـ، وخرجوا خارج بغداد، إلا أن صرامة إقبال الشرابي المعروف بقسوته هي التي أخافتهم وجعلتهم يذعنون لجهود الوساطة ويقدِّمون اعتذارهم(38). كما مرَّ بنا قول مؤلف كتاب الحوادث: ((وكان الخليفةُ قد أهمل حال الجند ومَنَعَهم أرزاقهم وأسقطَ أكثرَهم من دساتير ديوان العرض(39)، فآلت أحوالهم إلى سؤالِ الناسِ وبذْلِ وجوهِهم في الطلبِ في الأسواقِ والجوامعِ، ونَظَمَ الشعراءُ في ذلك الأشعارَ، فمما قاله المجد النَّشَّابي من قصيدة...))(40). ولم ينسب هذا الفعل لابن العلقمي.

وعلى هذا لم يكن وصول الجيش المغولي قرب أسوار بغداد سنة 656هـ أمراً مفاجئاً وكأنه الخبر الذي هبط فجأة على الخليفة ومن معه من القيادات العسكرية والمدنية؛ ذلك أنه لسنوات طويلة كانت الجيوش المغولية تشن هجماتها الوحشية على المناطق المجاورة لبغداد وتصل أحياناً إلى مشارف بغداد نفسها، وعليه فلم يكن هنالك عذر إطلاقاً لأن يُهمل الجيش أو تُخَفَّض أعداده أو تُمنَع عنه الرواتب ليصبح أفراده شحاذين على أبواب الجوامع والبيوت؛ بل لقد كان تحشيدُ القطعاتِ العسكريةِ أو الدفعُ بها نحو ساحات القتال العلاجَ الوحيدَ الذي جرَّبه الخلفاءُ الذين حكموا قبل المستعصم لصدَّ المغول وجعلهم يتركون المنطقة إما بعد مكابدتهم الخسائر أو لفرارهم رعباً من قوة جيش الخلافة.

إن كل ما تقدَّم لا يبقي عذراً لأحد يمكن أن يتعلَّل به ليقول إن المغول كانوا بعيدين عن بغداد أو أنهم لم يكونوا يفكرون بغزوها والسيطرة عليها. وكان عليه أن بظل في حالة استعداد طوال تلك السنوات وفي سنة 656هـ بالذات، لكنه لم يفعل وظل منهمكاً في عبثه ولهوه حتى سقوطه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق